العيني

28

عمدة القاري

وقبول هديته وجائزته ، فرخصت فيه طائفة ، فكان الحسن بن أبي الحسن لا يرى بأسا أن يأكل الرجل من طعام العشار والصراف والعامل ، ويقول : قد أحل الله طعام اليهود والنصارى ، وقد أخبر أن اليهود أكالون للسحت . قال الحسن : ما لم يعرفوا شيئا منه حراما ، يعني : معينا . وعن الزهري ومكحول : إذا كان المال فيه حرام وحلال فلا بأس أن يؤكل منه ، إنما يكره من ذلك الشيء الذي يعرف بعينه ، وقال الشافعي : لا أحب مبايعة من أكثر ماله ربا أو كسبه من حرام ، فإن بويع لا يفسخ البيع . وقال ابن بطال : والمسلم والذمي والحربي في هذا سواء ، وحجة من رخص حديث الباب ، وحديث رهنه صلى الله عليه وسلم درعه عند اليهودي ، وكان ابن عمر وابن عباس ، رضي الله تعالى عنهم ، يأخذان هدايا المختار ، وبعث عمرو بن عبيد الله بن معمر إلى ابن عمر بألف دينار ، وإلى القاسم بن محمد بألف دينار فأخذها ابن عمر وقال : لقد جاءتنا على حاجة ، وأبى أن يقبلها القاسم ، فقالت امرأته : إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه كما هو ابن عمه ، فأخذتها . وقال عطاء : بعث معاوية إلى عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، بطوق من ذهب فيه جوهر قوم بمائة ألف ، وقسمته بين أمهات المؤمنين . وكرهت طائفة الأخذ منهم روي ذلك عن مسروق وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وبشر بن سعيد وطاووس وابن سيرين والثوري وابن المبارك ومحمد بن واسع وأحمد ، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض وقال : من أخذ منهم مثل هذه فهو منهم . 001 ( ( بابُ شِرَاءِ المَمْلُوكِ مِنَ الحَرْبِيِّ وهِبَتِهِ وعِتْقِهِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم شراء المملوك من الحربي ، وحكم هبته وعتقه . وقال ابن بطال : غرض البخاري بهذه الترجمة إثبات ملك الحربي وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة والعتق وغيرها ، إذ أقر صلى الله عليه وسلم سلمان عند مالكه من الكفار وأمره أن يكاتب ، وقبل الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، هبة الجبار وغير ذلك مما تضمنه أحاديث الباب . وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِسَلْمَانَ كاتِبْ وكانَ حُرّا فَظَلَمُوهُ وباعُوهُ مطابقته للترجمة من حيث إنه يعلم من قضية سلمان تقرير أحكام الحربي على ما كان عليه ، وسلمان هو الفارسي ، رضي الله تعالى عنه ، وقصته طويلة على ما ذكره ابن إسحاق وغيره ، وملخصها : أنه هرب من أبيه لطلب الحق وكان مجوسيا ، فلحق براهب ثم براهب ثم بآخر ، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتى دله الأخير إلى الحجاز وأخبره بظهور رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به وباعوه في وادي القرى ليهودي ، ثم اشتراه منه يهودي آخر من بني قريظة ، فقدم به المدينة ، فلما قدم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ورأى علامات النبوة أسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كاتب عن نفسك ، عاش مائتين وخمسين سنة ، وقيل : مائتين وخمس وسبعين سنة ، ومات سنة ست وثلاثين بالمداين . ثم هذا التعليق الذي علقه البخاري أخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) . والحاكم من حديث زيد بن صوحان سلمان . وأخرجه أحمد والطبراني من حديث محمود بن لبيد عن سلمان . قال : كنت رجلاً فارسيا . . . فذكر الحديث بطوله ، وفيه : ثم مر بي نفر من بني كلب تجار ، فحملوني معهم حتى إذا قدموا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي . . . الحديث ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كاتب يا سلمان . قال : فكاتب صاحبي على ثلاثمائة ودية . . . الحديث ، وفي حديث الحاكم ما يدل أنه هو ملك رقبته لهم ، وعنده من حديث أبي الطفيل عن سلمان وصححه ، وفيه : فمر ناس من أهل مكة فسألتهم عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقالوا نعم ، ظهر منا رجل يزعم أنه نبي ، فقلت لبعضهم : هل لكم أن أكون عبدا لبعضكم على أن تحملوني عقبة وتطعموني من الكسر ، فإذا بلغتم إلى بلادكم فمن شاء أن يبيع باع ومن شاء أن يستعبد استعبد ؟ فقال رجل منهم : أنا ، فصرت عبدا له حتى أتى بي مكة فجعلني في بستان له . . . الحديث . قوله : ( كاتب ) أمر من المكاتبة . قوله : ( وكان حرا ) ، جملة وقعت حالاً من : قال ، لا من قوله : ( كاتب ) ، وقال الكرماني : فإن قلت : كيف أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتابة وهو حر ؟ قلت : أراد بالكتاب صورة الكتابة لا حقيقتها ، فكأنه قال : أفد عن نفسك وتخلص من ظلمه . انتهى . قلت : هذا السؤال غير وارد ، فلا يحتاج إلى الجواب ، فكان الكرماني اعتقد أن قوله صلى الله عليه وسلم : وكان حرا ، يعني في حال الكتابة ، فإنه في ذلك الوقت كان في ملك الذي اشتراه لأنه غلب عليه